غبة سلامة

كلنا نذكر القصة الخرافية المشهورة ب سلامة وبناتها، والتي تقول إن جنية كبيرة لها مجموعة من البنات، موجودة في قعر البحر في منطقة مضيق هرمز، وهذه الجنية هي وبناتها يعترضن السفن التي تمر في المضيق .
- فمتى دارت السفينة حول نفسها كالدوامة، شكلت دائرة هائلة من الأمواج المتلاطمة، فابتلعت السفينة، وكانوا يعتقدون بأن الجنية هي التي تقوم بإغراق السفينة .
- لذلك ابتدعوا فكرة أن يحملوا معهم عدداً من المواشي، فمتى صادفتهم تلك الدوامة تصارخوا: جاءت سلامة وبناتها، فيلقون عندئذ ما معهم من المواشي، فتبتلعها بدلاً من السفينة .
- هذه الخرافة لم تنتج من محض الخرافة، لأننا لو فكرنا في حقيقة مضيق هرمز كما يقول الدكتور فالح حنظل في كتابه معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات، لوجدنا أن المضيق ضيق، ولذا تتلاطم فيه الأمواج، وحول المضيق قمم الجبال البارزة في البحر، فلا بد في هذا المضيق من أن ترتطم الأمواج بتلك القمم العالية، وعندئذ تشكل الأمواج دوامة مائية تدور حول نفسها .
- وفي أثناء تلك الدوامة الهائلة من المياه المرتطمة بالجبال، وفي ذلك المضيق الضيق، لو مرت سفينة فلا شك أن مصيرها الغرق، وقد سمي الجزء الأخطر من ذلك المضيق بغبة سلامة .
- والأجمل من هذه الخرافة التي ذكرت حول غبة سلامة أو حول سلامة وبناتها، هي تلك القصة التي تقول إن سفينة هندية مرت من خلال هذا المضيق في يوم من الأيام، فخاف عليها ربانها من الغرق، ففكر في أن يخفف حمولة السفينة، لكن كيف يقنع الركاب؟
- فقال للركاب: إن جنية تسكن في هذا المضيق، وهي لن تسمح لهم بالعبور إلا إذا ألقوا إليها شيئاً من امتعتهم، فألقوا بالفعل جزءاً من أمتعتهم، واعتقدوا أنها تلتهمها، ونجح ربان السفينة بذلك في تخفيف حمولة السفينة، وعندئذ سهلت حركة السفينة ودفعتها الرياح عبر الأمواج، فعبرت السفينة بسلام .
- إذاً أصل الفكرة هو تخفيف حمولة السفينة، لكن تناولها أهل الخرافة كأي خرافة يقصدون بها تخويف الناس فقط، وتناولها غيرهم بطريقة علمية مفادها أن السفينة إذا كانت مثقلة بحمولتها، كانت قابلة للغرق أكثر من أي وقت .
- ولا سيما إذا صادفت أهوال البحار وتلاطم الأمواج، وضيق المكان كمضيق هرمز أو كغيره من المضايق، ومن ثم فإن تخفيف حمولتها يساعد على انقاذها من الغرق .
- أقول: والناس يستمعون للخرافات أكثر من التعليلات العملية، والاستماع إلى الخرافة ليس من طبع الآباء والأجداد فقط، بل حتى بعض شباب اليوم الذين يقرأون مثل هذه الخرافات، ويؤمنون بها .
- بدليل أن كثيراً منهم يذهبون ضحية فلان الذي يستعين بالكتاب الفلاني، أو يقرأ عليهم الأوراد الفلانية التي كان يقرأها فلان ألف مرة، ثم يطلب منهم شرب الماء من الكوب الفلاني، وهكذا نعيش وتعيش الأوهام معنا، والسبب أن الشر خلق يوم خلق الخير، أو أن الخير في باطن الشر .
لكنني أقول: إن الله ميزنا بالعقل فلم لا نستخدمه في تمييز الحق من الباطل؟ ورزقنا الطيبات فلماذا نعجب بالخبائث أكثر؟ أليس من الأولى أن ندع سلامة وبناتها، لأن السلامة في الابتعاد عنهن؟ وقديماً قال الشاعر:
إن السلامة من سلمى وجارتها
أن لا تمر بحال في بواديها


المصدر : (د . عارف الشيخ)
موقع صوت التراث - الثلاثاء 8 / 05 / 2018 - 04:34 مساءً     زيارات 37     تعليقات 0
عرض الردود
أضف تعليقك




تسجيل الدخول